كلمات في الدعوة إلى الله – فضل صيام الست من شوال

-كلمات في الدعوة إلى الله.

-فضل صيام الست من شوال.

-عباد الله: إن الأعمال الصالحة لم تنقضِ بانقضاء شهر رمضان ، فمواسم الخيرات كثيرة بعد شهر رمضان ، ومن الأعمال الصالحة بعد صيام شهر رمضان: صيام ستة أيام من شوال.
وصيامها مستحب عند أكثر أهل العلم.
لما جاء عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر) رواه مسلم(٣/١٦٩)

-ومعنى الحديث: أن من صام شهر رمضان كاملاً ثم صام بعده ستة أيام من شهر شوال سواء صامها متتابعة أو صامها متفرقة ، كتب له من الأجر كمن صام سنة كاملة ، ويبين هذا بياناً شافياً ويوضحه ، ما جاء في الحديث
عن ثوبان رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (صيام رمضان بعشرة أشهر وصيام الستة أيام بشهرين فذلك صيام السنة) يعني:رمضان وستة أيام بعده.
رواه ابن خزيمة في صحيحه(٢١١٥) وفي لفظ لابن ماجه(١٧٤٠) عنه: (من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) صححه الألباني في سنن ابن ماجه(١٧٤٠)

ويشهد لهذا قوله تعالى في سورة الأنعام: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)
فالله عزوجل يضاعف الحسنة بعشر أمثالها.

قال الإمام ابن خزيمة في صحيحه(٤٨٧): النبي عليه الصلاة والسلام أعلم أن صيام رمضان وستة أيام من شوال يكون كصيام الدهر ، إذ الله عزوجل جعل الحسنة بعشر أمثالها أو يزيد إن شاء الله عزوجل.اهـ

-والأفضل المسارعة في صيام هذه الست ، لقوله تعالى في سورة البقرة: (فاستبقوا الخيرات).
فيشرع صيام الست من شوال بعد يوم العيد مباشرة ، لأن اليوم الثاني من شوال ، ليس من العيد ، يوم العيد أول يوم من شوال فقط.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن صوم يوم الفطر والنحر) رواه البخاري(١٩٩٢)
قوله(يوم الفطر) دل على أن يوم العيد يوماً واحداً لا ثلاثة أيام كما يظنه بعض العوام.

قال العلامة بن عثيمين في نور على الدرب(٧/٣٥٤): ‏الأفضل صيام ستة أيام من شوال أن تكون متتابعة ، وأن تكون بعد يوم الفطر مباشرة ، لما في ذلك من المسارعة إلى الخير.اهـ

-وهنا تنبيه: من عليه قضاء أيام من رمضان ، ينبغي له تقديم القضاء على صيام الست من شوال ، لأن صيام الفرض يقدم على صيام النفل ، جاء عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) رواه البخاري(١٧٥٤)

وقال عثمان بن موهب: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه وسأله رجل قال: إن عليَّ أياماً من رمضان ، أفأصوم العشر تطوعاً ، (قال لا ولِمَ؟ إبدأ بحق الله ثم تطوع بعدُ ما شئت).
رواه عبدالرزاق في المصنف(٧٧١٥)بسند صحيح.

فمن قدم صوم الست من شوال على صوم القضاء ، ترك الأولى ، وظاهر قوله(من صام رمضان) أي أتم صيام الشهر كاملا ، ومن عليه قضاء لم يتم الشهر كاملاً ، فلا يشمله الفضل الوارد في الحديث.

قال العلامة ابن عثيمين في الفتاوى(١٩/٢٠):إذا كان على المرأة قضاء من رمضان فإنها لا تصوم الستة أيام من شوال إلا بعد القضاء ، ذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال) ومن عليها قضاء من رمضان لم تكن صامت رمضان فلا يحصل لها ثواب الأيام الست إلا بعد أن تنتهي من القضاء.اهـ

كتبه/
بدر بن محمد بدر العنزي
عضو الدعوة والإرشاد بالحفر

٣ شوال ١٤٣٨هـ

كلمات في الدعوة إلى الله – فضل العشر الأواخر من رمضان

كلمات في الدعوة إلى الله.

-فضل العشر الأواخر من رمضان.

أيها الأخوة: ها هي العشر الأواخر من رمضان قد دخلت ، وهذه العشر هي أفضل أيام الشهر ، ولها عدة خصائص:

١- من خصائصها: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجتهد في العبادة في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها من أيام الشهر.
قالت عائشة رضي الله عنها: (كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخل العشر الأواخر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله)
رواه البخاري(٢٠٢٤) ومسلم(٢٧٨٧)
وفي رواية لابن حبان في صحيحه(٣٤٢٧)(إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أيقظ أهله وشد المئزر وأحيا ليله)

-معنى (شد مئزره) قيل: معناه اعتزاله للنساء ، وقيل: معناه شدة جده واجتهاده في العبادة.
والتحقيق: أنه اجتهد في العبادة ، واعتزل النساء.

-ومعنى(أحيا ليله) يحتمل أنه أحيا الليل كله بالعبادة ، ويحتمل أنه أحيا غالب الليل لا كله.

-ومعنى(وأيقظ أهله) يعني أيقظهم لصلاة الليل لأن ليالي العشر ليالي فاضلة وفيها ليلة مباركة.

-فينبغي للمسلم إذا دخلت العشر الأواخر أن يتهجد في لياليها ، ويجتهد في العبادة ، كما كان نبينا عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك.
عن الأسود بن يزيد قال: قالت عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره)
رواه مسلم(١١٧٥)

قال الحافظ النووي في شرح مسلم(١/٧٢٩): في هذا الحديث أنه يستحب أن يزاد من العبادات في العشر الأواخر من رمضان ، واستحباب إحياء لياليه بالعبادات.اهـ

٢-ومن خصائص العشر: أن فيها ليلة القدر.
وسميت بـ (ليلة القدر) لعظم قدرها وشرفها ، وقيل: لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من خير ومصيبة ورزق وبركة.

وهي ليلة شريفة مباركة من ليالي العشر الأواخر من رمضان ، عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (تَحَينوا ليلة القدر في العشر الأواخر)رواه مسلم(١١٦٥)
وهي ليلة متنقلة في العشر الأواخر من رمضان ، وأرجاها في أوتار العشر الأواخر ، لحديث ابن عمر رضي الله عنه قال: رأى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أرى رُؤيَاكم في العشر الأواخر فاطلُبُوها في الوتر منها)
رواه البخاري(٦٩٩١) ومسلم(١١٦٥)

قال الإمام أحمد كما في المغني(٤/٤٤٩): هي في العشر الأواخر وفي وتر من الليالي لا يُخطي إن شاء الله كذا روي عن النبي عليه الصلاة والسلام).اهـ

وقال الإمام الترمذي في جامعه(٧٩٢): أكثر الروايات عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (التمسوها في العشر الأواخر في كل وتر).اهـ

-قال بعض أهل العلم: أبهم الله تعالى هذه الليلة على الأمة ليجتهدوا في طلبها ويجدوا في العبادة في الشهر كلِّه طمعاً في إدراكها ، كما أخفى الله ساعة الإجابة في يوم الجمعة ليُكثروا من الدعاء في اليوم كلِّه.اهـ

وهذه الليلة لها فضائل كثيرة منها:

١-أن من قامها إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه)
رواه البخاري(١٩٠١) ومسلم(٧٦٠)

٢-ومن فضائل ليلة القدر: أن العبادة في ليلة القدر ، خير من عبادة ألف ليلة ليس فيها ليلة قدر.
قال تعالى: (ليلة القدر خير من ألف شهر)
قال ابن قدامة في المغني(٤/٤٤٧): معنى(ليلة القدر خير من ألف شهر) أن العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة قدر.اهـ

٣-ومن فضائل ليلة القدر: استحباب الدعاء فيها ، وهو مظنة إجابة.
كما جاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ، ليلة القدر ماذا أقول؟ قال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)
رواه أحمد(٢٦٢٠٦) والترمذي(٣٥١٣)وصححه وابن ماجه(٣٩١٨)وصححه الألباني في سنن ابن ماجه(٣٩١٨)

٣-ومن خصائص العشر: أن فيها سنة الاعتكاف.
والاعتكاف: هو لزوم المسجد لطاعة الله ، وأجمع أهل العلم على مشروعيته وأنه مستحب وليس بواجب ، وعلى أنه متأكد في العشر الآواخر من رمضان.

قالت عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ، ثم اعتكف أزواجه من بعده) رواه البخاري(٢٠٢٦) ومسلم(١١٧٢)

وعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان)
رواه البخاري(٢٠٢٥) ومسلم(١١٧١)

-ويبدأ وقت الاعتكاف صبيحة يوم إحدى وعشرين في أصح قولي العلماء ، وينتهي بمغيب شمس آخر يوم من رمضان.
وأقله يوم أو ليلة ، وأكثره اعتكاف عشرة أيام.
ويستحب للمعتكف أن يشتغل بما ينفعه من صلاة وذكر الله وتلاوة القرآن وغير ذلك من القُربات.
ويجتنب ما لا ينفعه من الأقوال والأفعال فيجتنب الغيبة والنميمة والكذب والجدال والمِراء والفُحش وغير ذلك من المحرمات.
ولا يخرج من معتكفه إلا لأمر لابد له منه.

-كتبه:
بدر بن محمد بدر العنزي
عضو الدعوة والإرشاد بالحفر

٢١ رمضان ١٤٣٨هـ

كلمات في الدعوة إلى الله – الحكمة من الصيام

-كلمات في الدعوة إلى الله.

-الحكمة من الصيام:

-أيها الأخوة: إن الله عزوجل شرع الصيام لحكمة عظيمة ، بينها ربنا سبحانه وتعالى في كتابه ، هي تحقيق تقوى الله ، قال تعالى: (يـٰأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)
فالحكمة من الصيام هي تحقيق تقوى الله عزوجل ، كما قال ربنا عزوجل (لعلكم تتقون) فالصيام سبب لحصول التقوى ، والتقوى هي فعل المأمور وترك المحذور ، فمن فعل ما أمر الله عزوجل به ، وما أمر به رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وترك ما نهى الله عزوجل عنه ، وما نهى عنه رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فقد اتقى الله عزوجل.

-ومن العجب ، أن ترى كثيراً من الناس لا يعرفون حقيقة التقوى ، فتراهم يمسكون عن الطعام والشراب ، ولا يمسكون عن الكذب والغيبة والنميمة وقول الزور وسماع الأغاني ومشاهدة الأفلام الماجنة وغيرها من المحرمات ، يظنون أن الصوم هو الإمساك عن المفطرات بنية من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس فقط ، دون الإمساك عن سائر المحرمات التي حرمتها الشريعة الإسلامية ، جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (ليس الصيام من الأكل والشرب ، إنما الصيام من اللغو والرفث)
رواه ابن خزيمة في صحيحه(١٩٩٦) وصححه ابن حبان(٣٤٧٠) والألباني في صحيح الترغيب(١٠٨٢)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (الصيام جُنة ، فلا يرفث ولا يجهل ، وإن امرُؤ قاتلة أو شاتمة فليقل: إني صائم مرتين)
رواه البخاري(١٨٩٤) ومسلم(١١٥١)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا تساب وأنت صائم ، فإن سابك أحد فقل: إني صائم)
رواه ابن خزيمة في صحيحه(١٩٩٤) وابن حبان في صحيحه(٣٤٧٤)

ويروى عن عمر رضي الله عنه وعلي رضي الله عنه قالا: (إن الصيام ليس من الطعام والشراب ، ولكن من الكذب والباطل واللغو ) رواه ابن أبي شيبة في المصنف(٨٨٨٤)و(٨٨٨٢)

فليس الصيام مجرد الإمساك عن المفطرات من أكل وشرب وجماع وغيرها من المفطرات ، بل هو الإمساك عن المفطرات وسائر المحرمات.

لأن المحرمات من غيبة ونميمة وكذب وغيرها ، تنقص آجر الصائم ، فليس أجر من إمساك عن المفطرات وسائر المحرمات ، كأجر من أمسك عن المفطرات ولم يمسك عن المحرمات.
جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامَه وشرابه)
رواه البخاري(١٩٠٣) وفي رواية لابن حبان في صحيحه(٣٤٧١): (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل…)

قال ابن حجر في الفتح(٤/١٤٠): قال ابن العربي: مقتضى هذا الحديث أن من فعل ما ذُكر لا يثاب على صيامه.اهـ

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (رُب صائم حظُّه من صيامه الجوع والعطش)
رواه أحمد(٢/٣٧٣) وصححه ابن خزيمة في صحيحه(١٩٩٧) وابن حبان في صحيحه(٣٤٧٢) والهيثمي في المجمع(٥٢٣٢) والسيوطي في الجامع الصغير(٤٣٨٧) والألباني في صحيح الجامع(٣٤٨٨)
وحسنه الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين(١٣٧٢)

قال الصنعاني في التنوير(٦/٢٢٤): هذا محمول على من لم يخلص النية ، أو من لا يجتنب قول الزور والكذب والبهتان والغيبة ونحوها من المناهي فيحصل له الجوع والعطش ولا يحصل له الثواب.اهـ

وقال العلامة ابن عثيمين في الباب المفتوح(١/١١٦): يجب أن يصوم الإنسان عن المعاصي ، لأن هذا هو المقصود الأول في الصوم ، لقول الله تبارك وتعالى: (يـٰأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) لم يقل: لعلكم تجوعون ، أو لعلكم تعطشون ، قال: (لعلكم تتقون) هذا هو المقصود الأول من الصوم ، وحقق النبي عليه الصلاة والسلام ذلك وأكده بقوله: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) إذاً أن يصوم الإنسان عن معاصي الله عزوجل ، هذا هو الصوم الحقيقي ، أما الصوم الظاهري: فهو الإمساك عن المفطرات تعبداً لله عزوجل من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، قال تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل)
هذا الصوم الظاهري صوم البدن ، أما صوم القلب الذي هو المقصود الأول فهو الصوم عن معاصي الله عزوجل.
وعلى هذا: فمن صام صوماً ظاهرياً جسدياً ولكنه لم يصم صوماً قلبياً ، فإن صومه ناقص جداً جداً.اهـ

-أيها الأخوة: على صائم أن يحفظ صيامه عما يجرحه ، يحفظ لسانه عن المحرمات ويحفظ سمعه عن المحرمات ويحفظ بصره عن المحرمات ، يروى عن جابر رضي الله عنه قال: (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم ، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك) رواه ابن أبي شيبة(٨٨٨٠)

قال الإمام ابن قدامة في المغني(٤/٤٤٦):
ويجب على الصائم أن يُنزه صومه عن الكذب والغيبة والشتم ، قال أحمد: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه ولا يُماري ويصون صومه ، كانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد وقالوا: نحفظ صومنا. ولا يغتاب أحداً ولا يعمل عملاً يجرح به صومه.اهـ

وعلى الصائم أن يسأل ربه عزوجل أن يتقبل منه صيامه وسائر أعماله الصالحة ، كما سأل ذلك إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل عليه السلام ربهما أن يتقبل منهما ، وهما يبنيان الكعبة ، قال تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم).
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره(١/٢٠٤): قوله(ربنا تقبل منا) فهما في عمل صالح وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما.
وعن وهيب بن الورد رحمه الله أنه قرأ (ربنا تقبل منا) ثم بكى وقال: يا خليل الرحمن ، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مُشفق أن لا يتقبل منك.اهـ

-كتبه:
بدر بن محمد بدر العنزي
عضو الدعوة والإرشاد بالحفر

١٢ رمضان ١٤٣٨هـ

كلمات في الدعوة إلى الله – شهر القرآن

-كلمات في الدعوة إلى الله.

-الكلمة/ شهر القرآن.

أيها الأخوة: إن شهر رمضان هو الشهر الذي أنزل الله عزوجل به القرآن ، قال تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن)
وكان إنزاله في ليلة القدر من رمضان ، قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) وقال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) يعني ليلة القدر.

وجاء في الحديث عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه مرفوعاً: (أنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان)
رواه أحمد(١٦٩٢١) والطبراني في الكبير(٢٢/٧٥) وحسنه الألباني في الصحيحة(١٥٧٥)

قال ابن عباس رضي الله عنه: (نزل القرآن جميعاً في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ، ثم فُصِّل فنزل في السنين) رواه النسائي في السنن الكبرى(١١٥٠١) وصححه الحاكم في المستدرك(٣٧٨١)وأقره الذهبي في التلخيص(٣٧٨١)
وفي رواية عند النسائي أيضاً(١١٦٢٥) عنه: (نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر ، وكان الله عزوجل يُنزل على رسول الله عليه الصلاة والسلام بعضه في آثر بعض) صححه الحاكم في المستدرك(٣٩٥٨) وأقره الذهبي في التلخيص(٣٧٨١)

فشهر رمضان ، هو شهر نزول القرآن ، وهو الشهر الذي أُنزلت به أكثر الكتب على الأنبياء عليهم السلام ، أُنزلت الصحف على إبراهيم عليه السلام في رمضان ، وأنزلت التوراة على موسى عليه السلام في رمضان وأنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام في رمضان وأنزل الزبور على داود عليه السلام في رمضان وأنزل القرآن على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في رمضان.

كما جاء في الحديث عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (أنزلت صُحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان ، وأنزلت التوراة لست مضَين من رمضان ، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان ، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان ، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان)
رواه أحمد(١٦٩٢١) والطبراني في الكبير(٢٢/٧٥)والبيهقي في الشعب(٢٢٤٨)
في سنده عمران القطان مختلف في توثيقه ، وبقية رجاله ثقات.
وحسنه الألباني في الصحيحة(١٥٧٥).

-فشهر رمضان هو شهر القرآن ، هو شهر القراءة والتلاوة ، وقد كان جبريل عليه السلام يأتي النبي عليه الصلاة والسلام كل ليلة من ليالي رمضان يدارسه القرآن ، كما في الحديث
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله عليه الصلاة والسلام أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن) رواه البخاري(٦)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (إن جبريل كان يعرض على النبي عليه الصلاة والسلام القرآن كل عام مرة ، فعرض عليه مرتين في العام الذي قُبض فيه) رواه البخاري(٤٦١٤)
ومعنى (يعرض القرآن) يعني يدارسه القرآن.

-وكان السلف الصالح رحمهم الله ، يكثرون من قراءة القرآن في رمضان ، إذا دخل عليهم رمضان أقبلوا على تلاوة القرآن وتركوا تدريس العلم الشرعي ، وكان بعضهم يختم القرآن كل سبعة أيام وبعضهم يختم كل ثلاثة أيام ، وبعضهم يختم كل يوم مرة ، وبعضهم كل يوم مرتين.

قال إبراهيم النخعي: (كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين)
ذكره الذهبي في السير(٤/٥١)

وكان قتادة بن دعامة السدوسي يختم القرآن في سبع ، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة) ذكره الذهبي في السير(٥/٢٧٦)

وكان مجاهد بن جبر يختم القرآن في رمضان في كل ليلة.
(ذكره النووي في التبيان(٧٤)وصححه)

قال الحافظ ابن رجب في لطائف المعارف(٢٤٥): كان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها ، وكان الأسود يقرأ القرآن في كل ليلتين في رمضان ، وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر وفي بقية الشهر كل ثلاث وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة وعن أبي حنيفة نحوه.
وقال ابن عبدالحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف.اهـ

-فيستحب الإكثار من قراءة القرآن في شهر رمضان.
قال الحافظ ابن رجب في لطائف المعارف(٢٤٦): أما في الأوقات الفضيلة كشهر رمضان فيستحب الأكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناماً للزمان والمكان وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة.اهـ

وينبغي لقارئ القرآن أن يحرك شفتيه حال القراءة ، ولا يكتفي بالنظر من غير تحريك الشفتين ، ومن الخطأ أن ينظر المرء في القرآن ولا يحرك شفتيه ، وهذه ليست قراءة وإنما نظر ، وفرق بين النظر في القرآن وبين قراءة القرآن.

سئل الشيخ ابن باز كما في الفتاوى(٨/٣٦٣): هل يثاب في النظر في المصحف دون تحريك الشفتين؟
قال: لا يعتبر قارئاً ولا يحصل له فضل القراءة إلا إذا تلفظ بالقرآن.اهـ

-كتبه:
بدر بن محمد بدر العنزي
عضو الدعوة والإرشاد بالحفر

٧ رمضان ١٤٣٨هـ

كلمات في الدعوة إلى الله – أحكام الصيام

كلمات في الدعوة إلى الله.

-أحكام الصيام.

أيها الأخوة: إن صيام شهر رمضان ، أحد أركان الإسلام الخمسة ، كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (بني الإسلام على خمس) وذكر(وصوم رمضان) رواه البخاري(٨) ومسلم(٢٢)

-وصوم رمضان واجب ، دل على وجوب صيامه ، الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: (يـٰأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) ومعنى(كتب عليكم) يعني فُرض عليكم.
وقال تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصُمه).

وأما السنة: عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج) رواه البخاري(٨) ومسلم(٢٢)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام:(قد جاءكم شهر رمضان ، شهر مبارك ، كتب الله عليكم صيامه)
رواه أحمد(٧١٤٨) وصححه أحمد شاكر في المسند(٧/٦) والألباني في المشكاة(١٩٦٢)

وأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم على وجوب صوم رمضان ، وأن من جحد صيامه كفر ومن تركه تكاسلاً وتهاوناً فسق.

-ويجب صوم رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصيام.
قولنا(يجب على كل مسلم) خرج بذلك الكافر ، فإن الكافر لا يجب عليه الصوم ، ولو صام لم يصح منه لتلبسه بالكفر.

وقولنا(بالغ) خرج بذلك الصغير ، فإن الصغير لا يجب عليه الصوم ، لما جاء في الحديث عن علي رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (رُفع القلم عن ثلاثة)وذكر(وعن الغلام حتى يحتلم) رواه الترمذي(١٤٢٣) وحسنه ، وابن ماجه(٢٠٤١) وصححه ابن حبان في صحيحه(١٤٣) والألباني في سنن ابن ماجه(٢٠٤١) وله شاهد عن عائشة رضي الله عنها رواه ابن حبان في صحيحه.
ويصح صوم الصغير المميز ، ويكون له نافلة.

وقولنا(عاقل) خرج بذلك المجنون ، فإن المجنون لا يجب عليه الصوم ،
لما جاء في الحديث عن علي رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (رُفع القلم عن ثلاثة)وذكر(وعن المعتوه حتى يعقل) رواه الترمذي(١٤٢٣) وحسنه ، وابن ماجه(٢٠٤١) وصححه ابن حبان في صحيحه(١٤٣) والألباني في سنن ابن ماجه(٢٠٤١) وله شاهد عن عائشة رضي الله عنها رواه ابن حبان في صحيحه.
ولو صام المجنون لم يصح منه لعدم النية ، ويلحق بالجنون الخرف.

قولنا(قادر على الصوم) خرج بذلك من لا قدرة له ، القدرة تكون بشيئين اثنين: الإقامة في البلد ، والصحة في الجسد.

-فمن توفرت فيه شروط وجوب الصوم وهي: الإسلام والعقل والبلوغ والقدرة ، وجب عليه صيامه ، ويحرم عليه الفطر من غير عذر شرعي.

-ويرخص في الفطر في نهار رمضان لصنفين من الناس:
الصنف الأول: الذين لا يستطيعون الصوم أبداً وهم:

١-الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة الذي يشق عليهما الصيام لكبر السن ، يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكيناً ، قال تعالى: (وعلى الذين يُطيقُونه فدية طعام مسكين)
قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليُطعمان مكان كل يوم مسكيناً)
رواه البخاري(٤٥٠٥)

٢-المريض الذي لا يرجى برؤُهُ من مرضه ، إذا قال له الطبيب المسلم الثقة أنه لا يستطيع الصيام أبداً بسبب المرض ، فهذا يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً ، وهو داخل في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) ، وقال تعالى:(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)

-الصنف الثاني: الذين لا يستطيعون الصوم مؤقتاً ، هم:

١-المسافر ، سواء كان تلحقه مشقة بسفره أو لا مشقة عليه ، ففي كلا الحالتين يُرخص له في الفطر في نهار رمضان إذا فارق عمران بلده ، ويقضي عدد الأيام التي أفطرها إذا رجع من سفره ، قال تعالى: (ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أُخر)

٢- المريض الذي يرجى برؤهُ من مرضه ، فهذا يجوز له الفطر في نهار رمضان ، ويقضي الأيام التي عليه متى ما تحسنت حالته ، قال تعالى: (ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أُخر)
قال ابن قدامة في المغني(٤/٤٠٣): أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة ، للآية ، والمرض المُبيح للفطر هو الشديد الذي يزيد بالصوم أو يُخشى تباطُؤُ بُرئِه ، قيل للإمام أحمد: متى يُفطر المريض؟ قال: إذا لم يستطع.اهـ

٣-المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تُفطران وتقضيان متى ما تيسر لهما ذلك.
قال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل: إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران ثم تقضيان)
رواه البخاري في صحيحه معلقاً بصيغة الجزم(ص-٧٩٤)

-أيها الأخوة: يجب على من لزمه الصوم ، أن يجتنب شيئين اثنين:
الأول: منقصات أجر الصوم: كالغيبة والنميمة ومشاهدة الأفلام الإباحية وسماع الأغاني ، وغيرها من المحرمات.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامَه وشرابه)
رواه البخاري(١٩٠٣)

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (رُب صائم حظُّه من صيامه الجوع)
رواه أحمد(٢/٣٧٣) وصححه ابن حبان في صحيحه(٣٤٧٢) والألباني في صحيح الجامع(٣٤٨٨)
وحسنه الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين(١٣٧٢)

وينبغي للصائم أن يشتغل بما ينفعه من ذكر الله وتلاوة القرآن وصلاة نافلة ، ويترك ما لا نفع له به من آفات اللسان وغيرها من المحرمات.

الثاني: مفسدات الصوم: وهي نوعان:
الأول: مفسدات فيها القضاء والكفارة ، وهي الجماع تعمداً في نهار رمضان.
فمن جامع زوجته تعمداً في نهار رمضان ، يلزمه التوبة إلى الله ، وقضاء اليوم الذي أفسده ، والكفارة المغلظة وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
كما جاء ذلك في حديث أبي هريرة في قصة المجامع في رمضان. المخرج في صحيح البخاري(١٩٣٦) وصحيح مسلم(١١١١)

الثاني: مفسدات فيها القضاء ولا كفارة ، وهي الأكل والشرب تعمداً ، قال تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكمـ الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثمـ أتموا الصيام إلى الليل)
والتقيؤا تعمداً ، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (من استقاء عمداً فليقض) رواه أبو داود(٢٣٨٠) والترمذي(٧٢٠) وحسنه ، وصححه ابن حبان(٣٥٠٩) والألباني في سنن الترمذي(٧٢٠)

وإنزال المني بشهوة ، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه (يدع شهوته من أجلي) رواه البخاري(٧٤٩٢) ومسلم(١١٥١)

وغير ذلك من المفسدات.

-كتبه/
بدر بن محمد بدر العنزي
عضو الدعوة والإرشاد بالحفر

٢٨ شعبان ١٤٣٨هـ

كلمات في الدعوة إلى الله – فضائل شهر رمضان

كلمات في الدعوة إلى الله.

-فضائل شهر رمضان.

أيها الأخوة: لم يبق على شهر رمضان إلا عدة أيام ، وصيام شهر رمضان من أفضل العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه عزوجل ، لأنه تجتمع في الصوم أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على طاعة الله ، والصبر عن معصة الله ، والصبر على أقدار الله المؤلمة.
(صبر على طاعة الله) لأن الصائم يترك طعامه وشرابه وشهوته ، كون الله عزوجل أمره بترك الأكل والشرب والجماع وهو صائم.
(وصبر عن معصية الله) لأن الصائم يترك طعامه وشرابه وشهوته ، كون الله عزوجل نهاه عن فعل مفسدات الصوم.
(وصبر على أقدار الله المؤلمة) لأن الصائم يعاني من شدة العطش وشدة الجوع ، ويصبر ويحتسب.

وشهر رمضان ، شهر مبارك ، بشر النبي عليه الصلاة والسلام أمته بقدومه ، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام:(قد جاءكم شهر رمضان ، شهر مبارك ، كتب الله عليكم صيامه)
رواه أحمد(٧١٤٨) وصححه أحمد شاكر في المسند(٧/٦) والألباني في المشكاة(١٩٦٢)
فشهر رمضان شهر مبارك ، لما فيه من الفضائل الكثيرة ، فقد ورد في فضل شهر رمضان فضائل كثيرة لم ترد في فضل أي شهر من الشهور ، سوى شهر رمضان ، وهذا إن دل على شيء دل على عظم منزلة شهر رمضان عند الله عزوجل فمن فضائل شهر رمضان:

١-أن من صامه إيماناً بالله عزوجل واحتساب الأجر من الله عزوجل غفر الله له ما تقدم من ذنبه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه)
رواه البخاري(١٩٠١)
قال ابن حجر في الفتح(٤/٢٩٢): قوله(غفر له)ظاهره يتناول الصغائر والكبائر وبه جزم ابن المنذر ، وقال النووي:المعروف أنه يختص بالصغائر ، وبه جزم إمام الحرمين وعزاه عياض لأهل السنة ، وقال بعضهم: ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة.اهـ

٢-ومن فضائله: أن من قام لياليه إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه)
رواه البخاري(٢٠٠٩) ومسلم(٧٥٩)

وعن أبي ذر رضي الله عنه مرفوعاً: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة)
رواه الترمذي(٨٠٦) وقال: حسن صحيح ، وابن ماجه(١٣٢٧)

٣-ومن فضائله: أنه تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغُلِّقت أبواب النار وصُفدت الشياطين)
رواه البخاري(١٨٩٨) ومسلم(١٠٧٩)
وفي لفظ للترمذي(٦٨٢)(إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفدت الشياطين ومردة الجن وغُلقت أبواب النار فلم يُفتح منها بال وفُتّحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب)

قال الحافظ النووي في شرح مسلم(١/٦٨٠): قال القاضي عياض: هذا على ظاهره وحقيقته ، وأن تفتيح أبواب الجنة وتغليق أبواب جهنم وتصفيد الشياطين علامة لدخول الشهر وتعظيم لحرمته.اهـ

٤-ومن فضائله: أن في كل ليله من ليالي رمضان عُتقاء لله من النار.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفدت الشياطين ومردة الجن وغُلقت أبواب النار فلم يُفتح منها باب وفتح أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب ، وينادي مُنادٍ: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ، ولله عتقاء
من النار وذلك كُلَّ ليلة)
رواه الترمذي(٦٨٢) وابن ماجه(١٦٤٢) بسند صحيح ، وأصله في الصحيحين.

٥-ومن فضائله: أن فيه ليلة من قامها إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وهي ليلة القدر.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه)
رواه البخاري(١٩٠١) ومسلم(٧٦٠)

وقال تعالى في فضل ليلة القدر: (ليلة القدر خير من ألف شهر)
قيل: إن العبادة فيها ، خير من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة قدر.

٦-ومن فضائله: أنه الشهر الذي أنزل الله فيه القرآن.
قال تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن)

٧-ومن فضائله: أنه من رمضان إلى رمضان الآخر كفارة لما بينهن إذا اجتنب كبائر الذنوب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (رمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)
رواه مسلم(٢٣٣)

٨-ومن فضائله: أن ريح فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: (قال الله عزوجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام هو لي وأنا أجزي به فوالذي نفس محمد بيده لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)
رواه البخاري(٥٩٢٧) ومسلم(١١٥١)
(الخلوف) بضم الخاء وفتحها ، والضم أصح ، هو تغير رائحة الفم.

٩-ومن فضائله: أنه وقاية للعبد من الآثام والمعاصي.
عن هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (الصيام جُنة)
رواه مسلم(١١٥١)
و(جُنة) بضم الجيم ، معناها: الستر والمانع من الآثام.

١٠-ومن فضائله: أنه العبادة الوحيدة التي لم يبين الله عزوجل أجرها.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (كُل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، قال الله عزوجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)
رواه البخاري(٧٤٩٢) ومسلم(١١٥١)

١١-ومن فضائله: أن في الجنة باباً يقال الريان لا يدخل منه إلا أهل الصيام.
عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إن في الجنة باباً يقال له الريان ، يدخل منه الصائمون يوم القيامة ، لا يدخل معهم أحد غيرهم ، يقال: أين الصائمون؟ فيدخلون منه ، فإذا دخل آخرهم أُغلق فلم يدخل منه أحد)
رواه البخاري(١٨٩٦) ومسلم(١١٥٢)

١٢- ومن فضائله: أنه شهر المغفرة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (رغِم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يُغفر له)
رواه الترمذي(٣٥٤٥ )وحسنه ،
وصححه ابن حبان(٢٣٨٧) والحاكم(١/٥٤٩) والألباني في صحيح الجامع(٣٥١٠)

-كتبه/
بدر محمد بدر العنزي
عضو الدعوة والإرشاد بالحفر

٢١ شعبان ١٤٣٨هـ

@ كلمات في الدعوة إلى الله – فضل بناء المساجد @

كلمات في الدعوة إلى الله.

-الكلمة/ فضل بناء المساجد.

أيها الأخوة: إن المساجد أحب البقاع إلى الله عزوجل ، وبناء المساجد أفضل الأعمال إلى الله ، لذلك أمر ربُنا عزوجل ببناء المساجد في الأحياء ، وحث على عمارتها ، قال تعالى: (في بيوت أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمُهُ يُسبح له فيها بالغدو والأصال)
والمراد بالبيوت يعني المساجد ، فالله عزوجل أمر ببناء المساجد ورفعها وأمر بعمارتها وتطهيرها ، وبين عزوجل الحكمة من بنائها وهو أن يذكر فيها الله عزوجل ، (ويذكر فيها اسمه) يعني اسم الله كما قال عزوجل (وأقيموا وجُوهكم عند كل مسجد وادعوه مُخلصين له الدين)
فالحكمة من بناء المساجد ، الصلاة وذكر الله عزوجل وفعل الطاعات ، كما قال تعالى: (إنما يعْمر مسـٰجد الله من ءامن بالله واليوم الأخر وأقام الصلوٰة وءاتى الزكوٰة ولم يخش إلا الله)

هذه الحكمة من بناء المساجد ، لذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن البيع والشراء في المساجد ، ونهى عن إنشاد الضالة فيها ، لأن المساجد لم تبنَ لهذه الأشياء.
جاء في الحديث عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد ، فقولوا: لا أربح الله تجارتك)
رواه الترمذي(١٣٢١) وحسنه ورواه النسائي في السنن الكبرى(١٠٠٠٤) وصححه الألباني في صحيح الجامع(٥٧٣)
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (مَن سمع رجلاً يَنشدُ ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك ، فإن المساجد لم تُبن لهذا) رواه مسلم(٥٦٨)

-والمساجد لها منزلة عظيمة عند الله عزوجل لأنها بيوت الله ، ولعظم منزلتها عند الله عزوجل أضافها إلى نفسه سبحانه وتعالى ، قال تعالى: (وأن المسـٰجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً) وهذه إضافة تشريف وتكريم للمساجد.
قال سعيد بن جبير قال ابن عباس رضي الله عنه: (المساجد بيوت الله في الأرض تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض)
رواه الطبراني في الكبير(١٠٦٠٨) قال الهيثمي في المجمع(٢/١١٠): رجاله موثقون.اهـ

أيها الأخوة: إن الأحاديث النبوية في بناء المساجد واحترامها وتوقيرها والاعتناء بنظافتها وتطييبها وتبخيرها ، كثيرة جداً ، منها:

عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: عند قول الناس حين بنى مسجدَ رسول الله عليه الصلاة والسلام ، إنكم أكثرتم ، وإني سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: (مَن بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة)
رواه مسلم(٥٣٣) وفي رواية للبخاري(٤٣٩) ومسلم(٥٣٣): (بنى الله له مثلَه في الجنة)

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (من بنى لله مسجداً يُذكر فيه ، بنى الله له بيتاً في الجنة)
رواه ابن ماجه(٧٣٥) وصححه ابن حبان في صحيحه(١٦٠٨) والألباني في صحيح الجامع(٦١٣٠)

وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (مَن بنى مسجداً كمحفَصَ قطاةٍ أو أصغر بنى الله له بيتاً في الجنة)
رواه ابن ماجه(٧٣٨) وابن خزيمة في صحيحه(١٢٩٢) وصححه الألباني في صحيح الجامع(٦١٢٨)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إنما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره أو ولداً صالحاً تركه أو مصحاً ورثه أو مسجداً بناه…) الحديث ، رواه ابن ماجه(٢٤٢) وصححه ابن خزيمة في صحيحه(٤٩٠) قال ابن طولون في فرائد الفوائد(٢٣): إسناده حسن.اهـ

أيها الأخوة: يُسن الاعتناء في المساجد ، بتنظيفها وتطيبها ، لأنها بيوت الله ، والاعتناء ببيوت الله أولى من الاعتناء بغيرها من البيوت ، قالت عائشة رضي الله عنها: (أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام ببناء المساجد في الدور وأن تُنظف وتُطيب)
رواه أبو داود(٤٥٥) وصححه الألباني في سنن أبي داود(٤٥٥)

وعن سمرة رضي الله عنه أنه كتب إلى ابنه: (أما بعد ، فإن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يأمُرُنا بالمساجد أن نصنعها في دورنا ونُصلح صنعتها ونُطهرها)
رواه أبو داود(٤٥٦) وصححه الألباني في سنن أبي داود(٤٥٦)

وعن ابن عمر رضي الله عنه (أن عمر رضي الله عنه كان يُجمر مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام كل جمعة) قال ابن كثير في تفسيره(١٣٣٧): رواه أبو يعلى الموصلي بإسناد حسن لا بأس به.اهـ

وجاء في ترجمة التابعي الجليل نعيم بن عبدالله المُجَمِّر ، سمي المجمر لأنه كان يبخر المسجد ، وقيل إنه لقب لأبيه عبدالله كان يأجذ المجمرة-يعني المبخر-قدام عمر ويبخر المسجد.

فحري بالمسلمين أن يعتنوا بمساجدهم ، يعتنوا بنظافتها ويعتنوا بعمارتها ولا يتركوها من غير نظافة ولا عمارة.

هذا والله أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

كتبه/
بدر محمد بدر العنزي
عضو الدعوة والإرشاد بالحفر

١٣ شعبان ١٤٣٨هـ

@كلمات في الدعوة إلى الله – تفسير قوله تعالى: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) @

كلمات في الدعوة إلى الله.

-الكلمة/ تفسير قوله تعالى: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان)-

أيها الأخوة: قال الله سبحانه تعالى في سورة النور: (يـٰأيها الذين ءامنوا لا تتبعوا خُطُوٰت الشيطـٰن ومن يتبع خُطُوٰت الشيطـٰن فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر)
قوله(يـٰأيها الذين ءامنوا) هذا خطاب لأهل الإيمان ، روي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (إذا سمعت قول الحق “يا أيها الذين ءامنوا” فأرعها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره كما في تفسير ابن كثير(١/١٨٠)

وقوله(لا تتبعوا خطوات الشيطان) هذا نهي ، ينهى ربُنا سبحانه وتعالى عباده المؤمنين أن يتبعوا خطوات الشيطان ، وخطوات الشيطان هي طرائقه ومسالكه وما يأمر به من شر.
وخطواته كثيرة ، قال قتادة رحمه الله: (كل معصية فهي من خطوات الشيطان) ذكره ابن كثير في تفسيره(١٣٢٢)

فالمعاصي بشتى أنواعها سواء كانت معاصي قلبية أو معاصي قولية أو معاصي فعلية ، فهي من خطوات الشيطان ، فخطواته كثيرة لا يمكن حصرها ، إذ كل شر يقع به العباد ، سببه الشيطان نعوذ بالله من شره ، فالشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر ، كما قال تعالى: (ومن يتبع خُطُوٰت الشيطـٰن فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر).
(الفحشاء) كل ما تستفحشه العقول والشرائع من الذنوب العظيمة.
(والمنكر) كل ما تنكره العقول ولا تعرفه.

-أيها الأخوة: اعلموا رحمكم الله أن من خطوات الشيطان: أن يوقع العبد في الشرك.
والشرك: هو جعل شريك لله تعالى في ربوبيته وإلهيته.
وهو نوعان:
الأول: الشرك الأكبر: وهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله. كدعاء غير الله ، والذبح لغير الله والطواف حول القبور.
وهذا يُحبط العمل ، ويُخلد فاعله في النار إذا مات عليه ، ومن مات عليه فلن يُغفر له ، والجنة عليه حرام.

والثاني: الشرك الأصغر: وهو كل ذنب سماه الشارع شركاً ولم يبلغ مرتبة عبادة غير الله.
كيسير الرياء والحلف بغير الله لا على وجه التعظيم وقول: (ما شاء الله وشاء فلان)
وهذا لا يُحبط العمل ، ولا يخلد صاحبه في النار ، ولا يحرم عليه الجنة.

ومن خطواته: أن يوقع العبد في البدع.
والبدع جمع بدعة ، وهي الإحداث في الدين ، فكل ما ليس له أصل في كتاب الله ولا سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام من العبادات والاعتقادات فهو من البدع.

والبدع نوعان:
١- بدع مكفرة: وهي التي يكفر فاعلها.
كبدعة نفي الصفات ، والقول بخلق القرآن ، والقول بأن القرآن ناقص أو مُحرّف ، وغير ذلك من البدع المكفرة.

٢- بدع مفسقة: وهي التي يفسق فاعلها.
كبدعة المولد وأعياد الميلاد والذكر الجماعي وغير ذلك من البدع المفسقة.

ومن خطواته: أن يوقع العبد في المعاصي.
والمعاصي: هي الذنوب.
والذنوب نوعان:
الأول: كبائر.
والكبائر جمع كبيرة وهي: كل ذنب فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو لعن.
قال ابن عباس رضي الله عنه: (الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو لعنه أو غضب أو عذاب) رواه ابن جرير في تفسيره(٥/٤١)

والكبائر كثيرة ، وبعضها أعظم من بعض.
قال طاووس: قيل لابن عباس رضي الله عنه: (الكبائر سبع؟ قال هي إلى السبعين أقرب)
رواه ابن جرير في تفسيره(٥/٤١) وصححه ابن مفلح في الآداب الشرعية.

والثاني: صغائر.
والصغائر جمع صغيرة وهي: كل ذنب ليس فيه حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة.

فإذا داوم العبد على صغائر الذنوب وأصر عليها أصبحت كبائر لا صغائر.
قال ابن عباس رضي الله عنه: (لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار)
رواه ابن جرير في تفسيره(٥/٤١) وصححه ابن مفلح في الآداب الشرعية.

-أيها الأخوة: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً ، كما قال ربنا سبحانه تعالى: (إن الشيطـٰن لكمـ عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحـٰب السعير)
فلا يغويك عدوك يا عبدالله فتعصي ربك عزوجل ، بل الواجب عليك أن تجتنب خطوات الشيطان وتبتعد عنها ، وإذا وسوس لك الشيطان بفعل معصية من المعاصي ، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، قال تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطـٰن نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم)
فإذا أوقعك في المعصية فبادر بالتوبة والإنابة ، قال تعالى: (وإني لغفار لمن تاب وأناب ثم اهتدى)

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم ، فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزالُ أغفرْ لهم ما استغفروني)
رواه أحمد(١١١٧٨)
والحاكم(٤/٢٦١) وقال: صحيح الإسناد ، وسكت عليه الذهبي في التلخيص(٤/٢٦١)
قال الهيثمي في المجمع(١٠/٢٠٧): رواه أحمد وأبو يعلى ، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح ، وكذلك أحد إسنادي أبي يعلى.اهـ
وحسنه الألباني في الجامع(١٦٥٠)

-كتبه/
بدر محمد العنزي
عضو الدعوة والإرشاد بالحفر

3 شعبان 1438هـ

@ كلمات في الدعوة إلى الله – خصائص شهر شعبان @

-كلمات في الدعوة إلى الله.

-خصائص شهر شعبان.

أيها الأخوة: لقد أهلى علينا هلال شهر شعبان ، وشعبان هو الشهر الذي بين رجب ورمضان ،
وسمي بهذا الاسم لأن العرب كانوا يتشعبون فيه لجلب المياه ، اختص شهر شعبان بخصائص كثيرة دون غيره من شهور السنة.
-فمن خصائصه: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخصه بالصيام ، فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يصوم في شعبان ما لا يصوم في غيره من بقية الشهور.

قالت عائشة رضي الله عنها: (ما رأيت رسول الله عليه الصلاة والسلام استكمل صيام شهر إلا رمضان ، وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان)
رواه البخاري(١٩٦٩) ومسلم(١١٥٦)
وفي رواية للبخاري(١٩٧٠) (لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يصوم شهراً أكثر من شعبان وكان يصوم شعبان كله)
وفي لفظ لمسلم(١١٥٦) (كان يصوم شعبان كله إلا قليلاً)

وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (ما رأيت النبي عليه الصلاة والسلام يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان)
رواه أبو داود(٢٤٣٤) والترمذي(٧٣٦)وحسنه والنسائي(٢١٧٤) وأصله في صحيح البخاري(١٩٦٩)

ومعنى قولها (كان يصوم شعبان كله) يعني يصوم أكثره.
قال الحافظ الترمذي في جامعه(٧٣٧): قال ابن المبارك: هذا جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال صام الشهر كُلَّه.اهـ

وشهر شعبان هو مقدمة لشهر رمضان ولذلك شرع فيه الصيام ، ليحصل التأهب والاستعداد لاستقبال شهر رمضان، وتتروض النفس على طاعة الله.

واختلف أهل العلم في الحكمة من إكثار النبي عليه الصلاة والسلام من صوم شعبان ، وأصح ما قيل: أن الأعمال ترفع فيه إلى الله عزوجل.
كما جاء ذلك في الحديث عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: لم يكن يصوم النبي عليه الصلاة والسلام من الشهور ما يصوم من شعبان ، قلت: لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: (ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع الأعمال فيه إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)
رواه أحمد(٢١٢٤٦) والنسائي(٢٣٥٧)
صححه ابن حجر في الفتح(٤/٢٥٠)
وحسنه الألباني في الصحيحة(١٨٩٨)

-ومن خصائص شعبان: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب صيامه.
قالت عائشة رضي الله عنها: (كان أحب الشهور إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يصوم شعبان ، وكان يصله برمضان)
رواه النسائي(٢٣٥٠) وصححه الألباني في صحيح الترغيب(١٠٢٤)

-أيها الأخوة: دلت هذه الأحاديث على فضل الصوم في شعبان ، وذهب طوائف من أهل العلم إلى استحباب الإكثار من صيامه ، كما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام.

وأما حديث العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)
رواه أحمد(٩٤١٤) وأبو داود(٢٣٣٧) وغيرهما.
وهو حديث مختلف في صحته ، ضعفه كبار الأئمة كعبدالرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وأبي زرعة ، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم ، كما نص على ذلك ابن رجب في اللطائف(١٩٧)
وعلى تقدير صحة الحديث فالمراد منه: النهي عن تخصيص النصف من شعبان بصيام ، كما نص ذلك الإمام الشافعي.

-ومن خصائص شعبان: أن الأعمال ترفع فيه إلى الله عزوجل.
كما جاء في الحديث عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام ، عن شعبان: (ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع الأعمال فيه إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)
رواه أحمد(٢١٢٤٦) والنسائي(٢٣٥٧)
صححه ابن حجر في الفتح(٤/٢٥٠)
وحسنه الألباني في الصحيحة(١٨٩٨)

دل هذا الحديث على شيئين اثنين:
الأول: أن شهر شعبان ، شهر يغفل عنه الناس لأنه بين شهرين لهما فضل بين شهر رجب وشهر رمضان.
الثاني: أن الأعمال ترفع إلى الله عزوجل في شهر شعبان.

-ومن خصائص شعبان: فيه ليلة يغفر الله عزوجل فيها لأهل الأرض إلا لمشرك أو مشاحن ، وهي ليلة النصف من شعبان.
عن أبي موسى الأشعرى رضي الله عنه مرفوعاً: (إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن) رواه ابن ماجه(١٤٠٩) بسند ضعيف ، وله شواهد كثيرة لا تخلو من ضعف وبعضها يعضد بعضاً.
قال العلامة الألباني في الصحيحة(١١٤٤): حديث صحيح ، روي عن جماعة من الصحابة من طرق مختلفة يشد بعضها بعضاً.اهـ

-أيها الأخوة: ينبغي على من كان عليه قضاء أيام من رمضان الماضي ، أن يُعجل بقضاء هذه الأيام التي عليه قبل أن يدركه رمضان ، لأنه إذا جاء شعبان يضيق قضاء رمضان فلا يجوز حينئذ تأخيره من غير عذر.
قالت عائشة رضي الله عنها: (كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان) رواه البخاري(١٩٥٠) ومسلم(١١٤٦)

كتبه/
بدر محمد البدر العنزي
عضو الدعوة والإرشاد بالحفر

٣٠ رجب ١٤٣٨هـ

@ كلمات غي الدعوة إلى الله – التحذير من التسرع في الفتيا @

– كلمات في الدعوة إلى الله.

-التحذير من التسرع في الفتيا.

أيها الأخوة: إن من الأمور العظيمة التي تساهل فيها كثير من الناس ، التسرع في الفتيا ، والقول على الله بغير علم ، قال تعالى: (ولا تقولوا لما تصفُ ألسنتكم الكذب هذا حلـٰل وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يُفلحون)

والفُتيا والفتوى ، لغتان ، وهي جواب المفتي.
وإن شئت قل: هي الإخبار عن حكم الشرع لا على وجه الإلزام.
وهي فرض كفاية ، إذا قام به بعض الناس سقط الإثم عن البقية.

والفتوى شأنها عظيم ، لا ينبغي للمسلم التساهل فيها ، والمفتي موقِّع عن الله عزوجل ، فلا يجوز له التسرع بالفتوى، فلا يقل هذا حلال أو هذا حرام ، من غير تثبت ، ومن غير بينة ولا برهان.
قال تعالى: (ولا تقولوا لما تصفُ ألسنتكم الكذب هذا حلـٰل وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب)

قال الحافظ النووي في آداب الفتوى(١٣): (اعلم أن الإفتاءَ عظيمُ الخطر، كبيرُ الموقع ، كثيرُ الفضل ، لأن المفتيَ وارثُ الأنبياء صلواتُ الله وسلامه عليهم، وقائمٌ بفرض الكفاية، لكنه مُعَرَّضٌ للخطأ، ولهذا قالوا: المفتي مُوَقِّعٌ عن الله تعالى.اهـ

وكان السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين والأئمة المجتهدين ، يهابون الفُتيا ، ولا يتصدرون لها ، وكان بعضهم يدفعها إلى بعض حتى يكفيه صاحبه الفتوى.

قال عبدالرحمن بن أبي ليلى: (أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام في المسجد فما كان منهم محدث إلا ودَّ أن أخاه كفاه الحديث ولا مفتٍ إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا) رواه ابن عبدالبر في الجامع(١٥٨١) بسند صحيح.

وعن معاوية بن أبي عياش أنه كان جالساً عند عبدالله بن الزبير وعاصم بن عمر فجاءهم محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلاً من أهل المدينة طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها فماذا تريان؟ فقال عبدالله بن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول ، فاذهب إلى عبدالله بن عباس وأبي هريرة ، فسلْهُما ، ثم ائتنا فأخبرنا ، فذهب فسألهما فقال ابن عباس لأبي هريرة أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة) رواه ابن عبدالبر في الجامع(١٥٨٣) بسند صحيح.

وعن حجاج بن عمير بن سعد قال: (سألت علقمة عن مسألة ، فقال: ائت عبيدة فاسأله فأتيت عبيدة ، فقال: ائت علقمة فقلت: علقمة أرسلني إليك ، فقال: ائت مسروقًا فاسأله فأتيت مسروقًا فسألته ، فقال: ائت علقمة فاسأله فقلت: علقمة أرسلني إلى عبيدة ، وعبيدة أرسلني إليك ، فقال: ائت عبد الرحمن بن أبي ليلى فأتيت عبد الرحمن بن أبي ليلى فسألته فكرهه ، ثم رجعت إلى علقمة فأخبرته ، قال: كان يقال: أجرأ القوم على الفتيا أدناهم علماً) رواه الآجري في أخلاق العلماء(١١٠)

-هكذا حال السلف: يهابون الفتيا ، ويشددون فيها ، ويتدافعونها بينهم ، وكان من ورعهم في الإفتاء يتوقف أحدهم عن الفتوى في أشياء معروفة معلومة ، وقد كانت المسألة تُعرض على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيجمع لها أهل بدر.
قال الشعبي والحسن وأبو حَصين: إن أحدكم ليفتي في المسألة ، ولو ردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر.(ذكره النووي في الفتوى(١٥)

-هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمير المؤمنين ، ومن كبار فقهاء الصحابة ، قال عنه عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: (إني لأحسب عمر قد ذهب بتسعة أعشار العلم) رواه أبو خيثمة في كتاب العلم(٦١) بسند رجاله ثقات.
كان رضي الله عنه يتورع عن الفتوى ، ويجمع لها كبار الصحابة.

-أيها الأخوة: يُتشرط فيمن يتصدر للفتيا أن يكون: مسلماً ، بالغاً ، عاقلاً ، ثقة ، مأموناً ، متنزهاً عن أسباب الفسق وخوارم المرؤة ، وأن يكون له نية ووقار وسكينة.
فلا تؤخذ الفتوى من كافر ولا من صغير ولا مجنون ولا مجروح ولا مبتدع ولا فاسق ولا مخروم المرؤة.
وإنما تؤخذ الفتوى من أهل العلم والفضل ممن عرفوا بالخير والصلاح وسلامة العقيدة والمنهج.

قال الحافظ النووي في الفتوى(٢٠): اتفقوا أن الفاسق لا تصح فتواه ، ونقل الخطيب فيه الإجماع.اهـ

وقال العلامة المرداوي الحنبلي في التحرير(٣٤٠): ويمنع عندنا وعند الأكثر من الفتوى من لم يعرف بعلم أو جُهل حاله ، ويلزم ولي الأمر منعه ، قال ربيعة الرأي:بعض من يفتي أحق بالسجن من السُّرَّاق.اهـ

-والواجب على المفتي أن لا يفتي الناس في كل شيء.
قال ابن عباس رضي الله عنه: (إن من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون) رواه ابن عبدالبر في الجامع(١٥٨٤) بسند صحيح
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (إن الذي يفتي الناس في كل ما يسألونه لمجنون) رواه أبو خيثمة في كتاب العلم(١٠) وابن عبدالبر في الجامع(١٥٨٦) بسند صحيح

-والواجب على المفتي أن يكثر من قول: (الله أعلم) أو قول:،(لا أدري) فإن علامة فقه المفتي الإكثار من قول: (لا أدري) وهذا رفعة له لا منقصة.
والواجب أيضاً على من سئل عن مسألة ولا يعرف حكمها أن يقول (لا أعلم) ولا يتكلف في الإجابة.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: (أيها الناس من سُئل عن علم يعلمُهُ فليقل به ، ومَن لم يكن عنده علم فليقل: الله أعلم ، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم الله أعلم ، إن الله تبارك وتعالى قال لنبيه: (قل ما أَسئلُكمـ عليه من أجر وما أنا من المتكلفين) رواه البخاري(٤٨٠٩) ومسلم(٢٧٩٨)
وفي رواية لمسلم(٢٧٩٨) عنه: (من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به: الله أعلم).
ورواية لأبي خيثمة في كتاب العلم(٤٩) عنه: (إن من العلم أن يقول الذي لا يعلم: الله أعلم).

وقال بعض السلف: نص العلم (لا أدري و لا أعلم)
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: (قول الرجل فيما لا يعلم: لا أعلم ، نصف العلم) رواه ابن عبدالبر في الجامع(١٥٨٥)
وقال الشعبي: (لا أدري ، نصف العلم) ذكره ابن مفلح في الآداب(٢/١٣٢)
وقال القاسم بن محمد: (لأن يعيش الرجل جاهلاً خير له من أن يفتي بما لا يعلم) رواه أبو خيثمة في كتاب العلم(٩٠) بسند صحيح

وكان الأئمة الأربعة رحمهم الله أهل ورع في باب الفتوى ، سُئل الإمام مالك عن ثمان وأربعين مسألة، فأجاب منها عن اثنتين وثلاثين مسألة بقوله: (لا أدري).
وجاءه رجلٌ بأربعين مسألة ، فما أجابه منها إِلَّا في خمس مسائل.
وسٌئل مرة عن اثنين وعشرين مسألة ، فما أجاب منها إلا في واحدة أو اثنتين.
وربما يُسأل عن مائة مسألة ، فيجيب منها في خمس أو عشر، ويقول في الباقي: (لا أدري)
ذكره ابن عبدالبر في الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء(٣٨)

وكان الإمام مالك يقول: (جُنَّة العالم قوله: لا أدري ، فإذا أضاعها أصيبت مقاتل) رراه الآجري في أخلاق العلماء(١١٥)

وكان الإمام أحمد شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف ،كما قال لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام.
قال أبو داود في مسأله: ما أُحصي سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم فيقول: لا أدري ، قال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: ما رأيت مثل ابن عيينة في الفتوى أحسن فتيا منه ، كان أهون عليه أن يقول: لا أدري.
وقال عبدالله بن أحمد في مسائله: كنت أسمع أبي كثيراً يسأل عن المسائل فيقول: لا أدري ، ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف ، وكثيراً ما كان يقول: سل غيري ، فإن قيل له: من نسأل؟ قال: سلوا العلماء ، ولا يكاد يسمي رجلاً بعينه.
(ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين١/٢٧)

كتبه/
بدر محمد البدر العنزي
عضو الدعوة والإرشاد

18 رجب 1438هـ